ابن ميثم البحراني
211
شرح نهج البلاغة
لِلرِّجالِ » ( 1 ) ثمّ ختم الوصيّة بالدعاء لهم وله وبطلب المغفرة . ثمّ تمّم بالتنبيه لهم على وجه الاعتبار به ، وهو تصرّف حالاته بحسب الأزمان فقد كان بالأمس صاحبهم في الحرب ومنازعة الأقران وصاحب الأمر والنهي فيهم ، واليوم عبرة لهم بحال مصرعه وضعفه عن الحراك ، وغدا مفارقهم بالموت . وكلّ هذه التغييرات محلّ الاعتبار يجب التنبيه لها . وأراد بغد إمّا حقيقة إن كان قد غلب على ظنّه موته في تلك الواقعة ، أو ما يستقبل من الزمان وإن بعد ، وهذا أرجح لقوله : إن ثبتت الوطأة في هذه المزلَّة : أي إن يكن لي ثبات في الدنيا وبقاء في هذه المزلَّة : أي محلّ الزوال عن الحياة فذاك المرجوّ ، وكنّى بثبات الوطأة عمّا ذكرناه ، وبدحض القدم عن عدم ذلك بالموت . وقوله في جواب الشرط : فإنّا كنّا في أفياء أغصان . إلى قوله : مخطَّها . أي وإن نمت فإنّا كنّا في كذا . وكنّى بالأمور المذكورة عن أحوال الدنيا وملذّاتها وبقائه فيها ومتاعه بها ، وقيل : استعار لفظ الأغصان للأركان الأربعة من العناصر ، ولفظ الأفياء لما تستريح فيه النفوس من تركيبها في هذا العالم ، ووجه الاستعارة الأولى : أنّ الأركان في مادّتها كالأغصان للشجرة ، ووجه الثانية : أنّ الأفياء محلّ الاستراحة واللذة كما أنّ الكون في هذا البدن حين صحّة التركيب واعتدال المزاج من هذه الأركان كذلك . وكذلك استعار لفظ مهابّ الرياح للأبدان ، ولفظ الرياح للأرواح والنفحات الإلهيّة عليها في هذه الأبدان ، ووجه الأولى : قبول الأبدان لنفحات الجود كقبول مهابّ الرياح لها استعارة لفظ المحسوس للمعقول ، ووجه الثانية : أظهر من أن يذكر . وكذلك لفظ الغمام للأسباب العلويّة من الحركات السماويّة والاتّصالات الكوكبيّة والأرزاق المفاضة على الإنسان في هذا العالم الَّتي هي سبب بقائها ، ووجهها الاشتراك في الإفاضة والسببيّته ، وكنّى بظلَّها عمّا يستراح إليه منها كما يقال : فلان يعيش في ظلّ فلان : أي في عيشه وعنايته ، وكنّى باضمحلال متلفّقها في الجوّ عن تفرّق الأسباب العلويّة للبقاء و
--> ( 1 ) 24 - 36 .